العيني
10
عمدة القاري
فرضاً عندهم لما توجه الوعيد ، لأن المسح لو كان هو المشمول فيما بينهم كان يأمرهم بتركه وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد ، ولأجل ذلك قال القاضي عياض : معناه : نغسل كما ذكرناه آنفاً ، والصواب أن يقال : إن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسباغ الوضوء ، ووعيده وإنكاره عليهم في ذلك الغسل يدل على أن وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي لا الغسل المشابه بالمسح كغسل هؤلاء . وقول عياض : وقد أمرهم بالغسل بقوله : ( اسبغوا الوضوء ) ، غير مسلم لأن الأمر بالإسباغ أمر بتكميل الغسل ، والأمر بالغسل فهم من الوعيد لأنه لا يكون إلاَّ في ترك واجب ، فلما فهم ذلك من الوعيد أكده بقوله : ( اسبغوا الوضوء ) ، ولهذا ترك العاطف ، فوقع هذا تأكيداً عاماً يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء ، لأنه لم يقل : اسبغوا الرجلين : بل قال : ( اسبغوا الوضوء ) ، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة ، ومسح الرأس ، ومطلوبية الإسباغ غير مختصة بالرجلين ، فكما أنه مطلوب فيهما ، فكذلك مطلوب في غيرهما . فإن قلت : لم ذكر الإسباغ عاماً والوعيد خاصاً . قلت : لأنهم ما قصروا إلاَّ في وظيفة الرجلين ، فلذلك ذكر لفظ الأعقاب ، فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاص . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء ، لأن المسح لو كان كافياً لما أوعد من ترك غسل العقب بالنار ، وسيأتي الكلام فيه في بابه مستوفىً . الثاني : فيه وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر ، وإن ترك البعض منها غير مجزىء . الثالث : تعليم الجاهل وإرشاده . الرابع : أن الجسد يعذب ، وهو مذهب أهل السنة . الخامس : جواز رفع الصوت في المناظرة بالعلم . السادس : أن العالم ينكر ما يرى من التضييع للفرائض والسنن ، ويغلظ القول في ذلك ، ويرفع صوته للإنكار . السابع : تكرار المسألة تأكيداً لها ومبالغة في وجوبها ، وسيأتي ذكره في باب : من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : إن الرجل له رجلان وليس له أرجل ، فالقياس أن يقال على رجلينا . أجيب : بأن الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع ، فتوزع الأرجل على الرجال . ومنها ما قيل : فعلى هذا يكون لكل رجل رجل . أجيب : بأن جنس الرجل يتناول الواحد والاثنين ، والعقل يعين المقصود ، سيما فيما هو محسوس . ومنها ما قيل : إن المسح على ظهر القدم لا على الرجل كلها . أجيب : بأنه أطلق الرجل ، وأريد البعض أي : ظهر القدم ، ولقرينة العرف الشرعي إذ المعهود مسح ذلك ، وهذا فيه نظر ، لأنهم ما كانوا يمسحون مثل مسح الرأس ، وإنماا كانوا يغسلون ، ولكن غسلاً خفيفاً ، فلذلك أطلقوا عليه المسح وقد حققناه عن قريب . ومنها ما قيل : لم خص الأعقاب بالعذاب ؟ أجيب : لأنها العضو التي لم تغسل . وفي ( الغريبين ) : وفي الحديث : ( ويل للعقب من النار ) ، أي : لصاحب العقب المقصر عن غسلها ، كما قال : * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 82 ) أي : أهل القرية ، وقيل : إن العقب يخص بالمؤلم من العقاب إذا قصر في غسلها ، وفي ( المنتهى في اللغة ) : وفي الحديث : ( ويل للأعقاب من النار ) . أراد التغليظ في إسباغ الوضوء ، وهو التكميل والإتمام والسبوغ : الشمول . ومنها ما قيل : ما الألف واللام في : الأعقاب ؟ أجيب : بأنها للعهد ، أي : للأعقاب التي رآها كذلك لم تمسها الماء ، أو يكون المراد : الأعقاب التي صفتها هذه ، لا كل الأعقاب . ومنها ما قيل : إن اللام للاختصاص النافع إذ المشهور أن اللام تستعمل في الخير ، وعلى في الشر ، نحو : * ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) * ( البقرة : 286 ) وأجيب : بأنها للاختصاص ههنا نحو : * ( وإن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) ونحو : * ( ولهم عذاب أليم ) * ( البقرة : 10 ، 174 ، آل عمران : 77 ، 91 ، 177 ، 188 ، المائدة : 36 ، التوبة : 61 ، 79 ، إبراهيم ، 22 ، النحل : 63 ، 104 ، 117 ، الشورى : 21 ، 242 ، الحشر : 15 ، التغابن : 5 ) قلت : وقد تستعمل اللام في موضع : على . وقالوا : إن اللام في : * ( وإن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) بمعنى : عليها . ومنها ما قيل : كيف أخرت الصحابة ، رضي الله عنهم ، الصلاة عن الوقت الفاضل ؟ أجيب : بأنهم إنما أخروها عنه طمعاً أن يصلوها مع النبي ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، لفضل الصلاة معه ، فلما خافوا الفوات استعجلوا ، فأنكر عليهم النبي ، عليه الصلاة والسلام . ومنها ما قيل : روى مسلم عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن النبي ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، رأى رجلاً لم يغسل عقبه ، فقال : ( ويل للأعقاب من النار ) . وكذلك حديث مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو الذي مضى ذكره عن قريب ، وفيه : ( فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء ، فقال ، عليه الصلاة والسلام : ويل للأعقاب من النار ) . وهذان الحديثان تصريح بأن الوعيد وقع على عدم استيعاب الرِجل بالماء ، وحديث البخاري يدل على أن المسح لا يجزئ عن الغسل في الرجل ، وأجيب : بأنه ترد الأحاديث إلى معنى واحد ، ويكون معنى قوله : ( لم يمسها الماء ) ، أي : بالغسل ، وإن مسها بالمسح فيكون الوعيد وقع على